محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
47
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
قال بعض العلماء : « من ظن أنه يصل إلى اللّه تعالى بغير اللّه قطع به ، ومن استعان على عبادة اللّه تعالى بنفسه ، وكّل إلى نفسه » . فعلى العبد السالك أن يجعل معتمد أمره الاستعانة باللّه تعالى على ما هو بسبيله ، ولا يرى حول نفسه ولا قوّتها في كثير من عمله ولا قليله ، فهذا هو أساس السلوك الذي ينبني عليه قواعده . من أشرقت بدايته أشرقت نهايته . هذه عبارة أخرى موافقة لمعنى ما تقدّم ؛ فإشراق بداية المريد برجوعه إلى اللّه تعالى في مهماته وثقته به في ملماته ، وإشراق نهايته الوصول إلى قربته ، والحصول في حضرته . ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر . هذا بيان علامة تعرف بها حال المريد السالك ، وما انغمر به باطنه من المزيد المتدارك ؛ لأن الظاهر مرآة الباطن ، كما قيل « الأسرّة تدل على السريرة « 1 » ، وما خامر القلوب فعلى الوجوه يلوح أثره » فما استودعه اللّه القلوب والأسرار من المعارف والأنوار لا بدّ وأن تظهر آثار ذلك على الجوارح ، فيستدلّ بشاهد العبد على غائبه من أراد صحبته ، والوصلة به ، وما أشبه ذلك من الأغراض والمقاصد . قال أبو حفص « 2 » ، رضي اللّه عنه : « حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن . فإنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه » « 3 » . وقيل : لمّا ورد أبو حفص العراق جاء إليها الجنيد ، فرأى أصحاب أبي حفص وقوفا على رأسه يأتمرون بأمره لا يخطئ أحد منهم ، فقال : يا أبا حفص أدّبت أصحابك أدب الملوك ! ! فقال : لا يا أبا القاسم ، ولكن حسن الأدب الظاهر عنوان أدب الباطن . قلت : وآكد من ذلك أن يعرف المريد نفسه ، ويكون من أمرها على بصيرة ولا
--> ( 1 ) السريرة : السر الذي يكتم ( ج ) وللإنسان : ما أسره من أمره خيرا وقيل شرا . والأسرّة : ( ج ) السرير : الملك والنعمة وخفض العيش . ( 2 ) هو أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد ( توفي حوالي 260 ه / 874 م ) من قرية يقال لها : كورداباذ . كان أحد الأئمة والسادة . من أقواله : « المعاصي بريد الكفر ، كما أن الحمى بريد الموت » . ( الرسالة القشيرية ص 406 ) . ( 3 ) أخرجه البيهقي في ( السنن الكبرى 2 / 289 ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 3 / 23 ) ، والمتقي الهندي في ( كنز العمال 5891 ) ، والألباني في ( إرواء الغليل 2 / 92 ) ، وابن المبارك في ( الزهد 213 ) ، والقرطبي في ( التفسير 12 / 103 ) ، والعراقي في ( المغني عن حمل الأسفار 1 / 150 ) .